المغرب
تاريخ النشر أغسطس 10th, 2026
المغرب
مقدمة
نظرًا لموقعه الجغرافي عند حدود قارتين، وكذلك عند شطين ساحليَّين على البحر المتوسط وعلى المحيط الأطلسي، يضطلع المغرب بدور مهم في سياسة الاتحاد الأوروبي القائمة على تفويض و تصدير ضبط الحدود إلى دول الجوار (الأخرجة Externalisierung) ، ولا سيما من خلال التحكم في مضيق جبل طارق وفي المدينتين الإسبانيتين المحتلتين سبتة ومليليه. و إذ يحاول المغرب منذ عقود الإبقاء على علاقات وثيقة مع أوروبا فقد صارت تشكّل مسألة تنظيم حركات الهجرة إحدى القضايا المركزية الحساسة في هذه العلاقات و موضع الخلل و الهشاشة فيها في الوقت نفسه. تكمن هذه الهشاشة مثلا فيما تتخلل عمليات تفويض و تصدير الحدود و ضبطها من الجانبين من ممارسات عنف و تدابير مسيئة لكرامة الفرد و منتهِكة لحقوق الإنسان تُرتكب في إطار تواطؤ بين المغرب والاتحاد الأوروبي. فالمغرب يُعدّ نقطة انطلاق وعبور مركزية للآلاف من الأشخاص القادمين من دول إفريقية مختلفة و الذين يرغبون في عبور البحر نحو الضفة الأخرى وهذا يؤدي إلى سياسة من المراقبة المتزايدة والضبط الصارم للحدود بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت نفسه، يحاول المغرب أن يستفيد من هذا الوضع إلى أقصى حد ممكن.
بعد عقود من استقلال المغرب سنة 1956 ما تزال المشكلات الإجتماعية و الاقتصادية البنيوية تهدد توازن البلاد الهش، إضافة إلى اختلالات سياسية تعود في جانب كبير منها إلى فترة الاستعمار.[1] وتزداد هذه المشكلات تفاقمًا بفعل الممارسات غير الديمقراطية لمنظومة الحكم المغربية التي تراهن أســاسا على القمع السياسي في مواجهة الأصوات الناقدة و الأزمـات السياسية الداخلية . وتدير الدولة المغربية و أجهزتها (المخزن) البلاد تقريبًا من دون قيود، فيما تواجه القوى الديمقراطية المحلية ومنظمات حقوق الإنسان، بما فيها المنظمات الناشطة في مجال سياسات الهجرة، تحديات كبيرة ومتكررة
(C) utexas.edu
1 - الاقتصاد والبنية الاجتماعية والهجرة
1.1 - الجغرافيا
يمتدّ المغرب على مساحة تبلغ 446,550 كيلومترًا مربعًا. وإذا أُضيفت إليها الصحراء الغربية، التي ضمّها المغرب إلى حدّ كبير سنة 1975 بعد انسحاب إسبانيا،[2] تصبح المساحة الإجمالية 712,550 كيلومترًا مربعًا. و يقطن في المغرب حسب إحصاء سنة 2024 نحو 38 مليون نسمة تقريبًا، دون احتساب 600 ألف من سكان الصحراء الغربية. ويقيم ثلثا السكان في شمال غرب البلاد وغربها، كما يعيش نحو 60% من السكان في المدن. وأكثر من ثلثي السكان من الأمازيغ، وقد تعرّب معظمهم
يفصل المغرب عن القارة الأوروبية مضيق جبل طارق. ويحدّه من الشمال البحر المتوسط ومن الغرب المحيط الأطلسي. أما حدود المغرب مع المدينتين الإسبانيتين المحتلتين الواقعتين على المتوسط، سبتة ومليليه، فيبلغ طولها الإجمالي نحو 16 كيلومترًا. ويمثل هذا الجزء من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي فجوة اجتماعية هائلة: فالدخل الفردي شمال الحدود أعلى بعشرة أضعاف منه في الجهة الجنوبية.
من جهة الشرق يتقاسم المغرب مع الجزائر حدود برية طولها يزيد قليلًا على 1400 كيلومتر. وقد أُصدرت الأوامر بغلق المعابر الحدودية في هذا الخط رسميًا منذ سنة 1994. وعلى الجانب المغربي، جُهّز خط الحدود بالخنادق والردم، بينما أُحيط على الجانب الجزائري في بعض المقاطع بسياج حدودي مراقب إلكترونيًا. وتمر عبر هذه الحدود مسارات عديدة للتهريب والعبور رغم ذلك. ومنذ مطلع 2022 أُحكم تأمين الحدود بوصفها منطقة أمنية عسكرية. وقد تضاعفت أسعار تهريب الأشخاص عبر الحدود قرب وجدة، وهي النقطة التي يستخدمها معظم المهاجرين عندما يحاولون حظوظهم في الهجرة إلى أوروبا انطلاقا من الجزائر أو تونس أو ليبيا. وحتى اليوم، ما تزال عمليات الترحيل الجماعي للمغاربة من غرب الجزائر وللجزائريين من شرق المغرب، التي استمرت في العقود الثلاثة الأولى بعد الاستقلال، تُستعاد سياسيًا لتأجيج تبادل الاتهامات والعداوات. كما يُبرَّر إغلاق الحدود بالنزاع حول الصحراء الغربية، ومنذ تسعينيات القرن الماضي بمكافحة "ظاهرة الإرهاب الجهادي العابر للحدود".
أما الحدود الجنوبية مع الصحراء الغربية التي ضمّها المغرب بنسبة 80%، فتمتد على 443 كيلومترًا. وقد حُصّنت الصحراء الغربية الخاضعة للاحتلال المغربي بعدد كبير من النقاط العسكرية. ومن الشمال إلى الجنوب أقام المغرب على طول الصحراء الغربية جدارًا رمليًا طوله 2,400 كيلومتر مزروعًا بالألغام. وعلى امتداد هذا الجدار تتمركز قوات الأمم المتحدة بوصفها مراقبة ضمن بعثة المينورسو. أما الحدود بين الصحراء الغربية المحتلة وموريتانيا فيمكن عبورها عبر نقطة مراقبة شديدة الحراسة. وقد أعلنت موريتانيا والمغرب عن معبر حدودي جديد. ويبدو أن الطريق الرابط المخصص لهذا المشروع أوشك على الاكتمال. ومن المرجح أن يفضي تنفيذ هذا المشروع من قبل الدولتين إلى توتر بين موريتانيا وجبهة البوليساريو. ولبوليساريو منظمة عسكرية وسياسية تناضل من أجل صحراء غربية مستقلة.
يمكن العثور على معلومات إضافية حول طبيعة المناطق الحدودية في الفصل 4.1.2 الخاص بالمجالات الحدودية مع الجزائر، وفي الفصل 4.2.2 الخاص بالمجالات الحدودية حول سبتة ومليليه.
1.2 - الاقتصاد والجوانب السوسيواقتصادية
في المغرب تتسع الفجوة أكثر فأكثر بين المناطق الصاعدة اقتصاديًا مثل طنجة والرباط والدار البيضاء والجديدة ومراكش، وبين المناطق الريفية النائية مثل جبال الأطلس الصغير أو منطقة الريف. صحيح أن الفقر المطلق، وفق معايير الأمم المتحدة، قد تراجع بين 2001 و2014، لكن الفجوات بين المدينة والريف، وكذلك الفوارق في الدخل بين الأعلى والأدنى، ما تزال قائمة، بل و تتسع. وشهدت السنوات 2019–2024 زيادات طفيفة في الدخل الفردي للمغاربة، لكنها عادت في زمن كوفيد إلى مستوى 2014. ولم يؤدِّ نمو الاقتصاد الرسمي إلى تغيير كبير في نسبة علاقات العمل غير المهيكلة منخفضة الأجر. فنصف المغاربة تقريبًا يعملون لحسابهم الخاص في القطاعات غير المهيكلة بينما ثُلث العاملين فقط لديهم وظيفة بعقد عمل. ومنذ 2012 يوجد نظام تقاعد ممول من الضرائب، إلا أن المعاشات التقاعدية منخفضة جدًا.
الفقر في المناطق الريفية – مناطق الهامش
في بعض المناطق الريفية، ولا سيما سهل الغرب، تهيمن الضياع الكبيرة والمزارع الممتدة على المشهد العام و تنتشر الأنشطة الزراعية و الفلاحية نسبيا و التي تتوفر قدر معينا من الدخل للعائلات القروية يضمن توازنا في مستوى العيش. لكن هذه المناطق تتناقض بشدة مع الفقر الغالب والضعف البنيوي في معظم الريف المغربي و المناطق الجبلية في الأطلس الكبير. وقد كان لهذا الفقر البنيوي، الذي يظهر مثلًا في ضعف تطوير طرق الوصول والطرق الأساسية، أثرٌ كارثي على ضحايا زلزال 2023، إذ صَعُب وصول سيارات الإنقاذ والإغاثة إلى المناطق المتضررة و المنكوبة.
وتشمل الأطراف الهشة في المغرب، أي الهوامش الإقتصادية و الاجتماعية في البلاد، بشكل خاص جبال الريف و الصحراء الغربية، وكذلك منطقة الأطلس التي وقع فيها الزلزال الكبير سنة 2023. وتتعرض هذه المناطق لسياسات تهميش كلي -سياسي واجتماعي واقتصادي - شديد من قبل الحكومة المركزية، فينتشر فيها الفقر والبطالة المزمنة والنقص في الخدمات الأساسية والبنية التحتية الحيوية. و ما يزيد هذا التهميش البنيوي تفاقمًا استمرار قمع الحقوق السياسية وعدم احترام الهويات الثقافية للسكان المحليين لتلك المناطق.
ورغم أن التوسع التعليمي خلال العشرين سنة الماضية أوجد جيلًا شابًا متعلمًا، فإن البطالة بين الشباب الحاصلين على شهادات جامعية مرتفعة بشكل كبير جدا. وقد ارتفعت البطالة الرسمية في السنوات الأخيرة، وتبلغ في بعض المناطق 37%. كما أن 15% فقط من التلاميذ يبلغون مرحلة البكالوريا. ويعمل أغلب غير الحاصلين على شهادات في القطاع غير المهيكل، في الزراعة والخدمات، من دون فرص للترقي ولا تأمين اجتماعي أو تأمين صحي أو ضمان للتقاعد. ويشكّل العمل في القطاعات غير المهيكلة ثلثي الوظائف في المغرب، ما يجعله قطاعا متضخما لا يساهم في بناء تنمية بنيوية مستمرة نظرا لطبيعته، فهو يكاد مثلا يشمل كل الوظائف غير الإدارية في قطاع الزراعة. ويعتمد نحو 40% من السكان على الزراعة، التي تولّد 17% من الناتج الداخلي الخام. كما تنتشر العلاقات الاقتصادية شبه الإقطاعية و الريعية في المناطق الزراعية الكبرى يرافقها الفساد السياسي و التدبير الريعي للموارد على نطاق واسع.
يمكن النظر إلى مناطق جبال الريف باعتبارها صورة مصغرة عن اللامساواة البنيوية التي تطبع الاقتصاد السياسي في المغرب. فمنذ عقود تكافح الجماعات المحلية في هذه المناطق من أجل فرص تعليم محدودة، ورعاية صحية غير كافية، وبطالة مرتفعة. وقد تراجعت أهمية الزراعة الصغيرة التي كانت سائدة سابقًا، باستثناء زراعة الحشيش و القنب الهندي.
أما وضع السكان الصحراويين في الصحراء الغربية فهو أسوأ حتى من وضع سكان منطقة الريف. فالصحراء الغربية، وهي منطقة متنازع عليها منذ عقود ويظل وضعها السياسي غير محسوم رسميا، يخضع معظمها للسيطرة المغربية منذ انسحاب القوة الاستعمارية الإسبانية سنة 1975. ولم يبقَ هناك سوى 105,000 من السكان الأصليين في مواجهة 180,000 عسكري. وقد جرى نقل كثير من الأسر من داخل المغرب إلى الصحراء الغربية بسبب العلاوات والحوافز العسكرية. وأدى الصراع الطويل حول الاستقلال وتقرير المصير إلى انقسام اجتماعي دائم في هذه المنطقة الغنية بالموارد الطبيعية والمهمشة اجتماعيًا و سياسيا.iii وفي الوقت الذي ساعدت فيه محاولات محدودة لإعادة استيطان الصحراء الغربية، ولا سيما عبر نقل أفواج من الجيش و الأعيان إلى المنطقة، على تثبيت مركزية السلطة الملكية، فإن الاستمرار في تهميش الأطراف وقمعها لا يزيد فقط من حدة اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية داخل المغرب، بل يهدد أيضًا استقرار البلد كله. فاستياء السكان المحليين وإحباطهم يؤديان بانتظام إلى احتجاجات اجتماعية وانتفاضات غاضبة و مدوية. كما أن الإهمال المتعمد للحقوق الاقتصادية و السياسية في هذه المناطق، الذي يمارسه النظام السياسي المغربي المركزي، يبقى عائقًا أساسيًا أمام دمقرطة البلاد. ومن المشكوك فيه أن تغيّر مساعدات الزلزال التي أعلنها المخزن هذا الواقع.
1.3 - المغرب بلد هجرة
يعيش أزيد من 5.1 مليون مغربي و مغربية في بلاد المهجر، أي ما يصل إلى 13% من مجموع السكان. ويقيم 84% من هؤلاء المهاجرين في الاتحاد الأوروبي. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، صار المغرب، قبل تركيا، مصدرًا لأكبر عدد من المهاجرين إلى الاتحاد الأوروبي، مع منحى تصاعدي واضح مقارنة بالهجرة الجزائرية والتونسية.iv
في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين وُقعت اتفاقات ثنائية رسمية لاستقدام العمال بين المغرب وعدة دول في أوروبا الغربية. وبعد وقف الاستقدام سنة 1973، لم يبقَ أمام معظم الناس إلا ضيق لمّ الشمل العائلي، أو الزواج، أو العيش في أوروبا من دون أوراق، تحت تهديد الترحيل الدائم. ولم يتحقق ذلك إلا في المدن التي كانت تضم جاليات مهاجرة كبيرة. وفي سنة 1992 فرضت إسبانيا، تحت ضغط الاتحاد الأوروبي، التأشيرة على المغاربة، ما دفع الناس إلى العبور السري في قوارب صغيرة. وفي صيف ذلك العام عبر نحو 30 ألف شخص المعبر البحري لمضيق جبل طارق، الذي صار لاحقًا يشبه أكبر مقبرة جماعية في أوروبا ما بعد الحرب. وقد كشفت منظمات المهاجرين وحقوق الإنسان في إسبانيا هذا الموت الجماعي عند جبل طارق للرأي العام و تحولت الأنظار إلى هذه المأساة بشكل متزايد، إذ يرجح أن ما بين 2,000 و4,000 شخص قد لقوا حتفهم في المضيق وحده في الفترة ما بين 1991 و 1996.v
يفرض الاتحاد الأوروبي التأشيرة على المغاربة لعبور و دخول حدوده، بينما لا تُفرض على الأوروبيين في المغرب أي تأشيرة و لا قيود في الحركة. ويقضي كثير من المتقاعدين من فرنسا وإسبانيا سنوات تقاعدهم الأخيرة تحت شمس المغرب. وتصدر إسبانيا تأشيرات للعاملات المغربيات الموسميات، لكن حصريًا للنساء المتزوجات من أجل ضمــان عودتهم لأزواجهم و أبنائهم. أما إمكانات السفر والإقامة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقد أصبحت خلال السنوات الأخيرة شديدة الصعوبة، بالنسبة للمغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و40 سنة، ولا سيما النساء غير المرافقات. ومع ذلك فإن الرغبة في الهجرة ما تزال مرتفعة جدًا. في كثير من الحالات تعمل بعض العائلات على صيانة شبكات علاقات عائلية أو قرابة شبه عابرة للحدود لتيسير أمور هجرة أبنائها، مثل شراء بعقود العمل أو عقود الزواج، أو الاستثمار الجماعي في تكاليف السفر بوصفه "استشهادًا اقتصاديًا"، أو لمّ الشمل عبر الزواج من شخص يقيم أصلًا في أوروبا.vi وقد شجعت الدولة الهجرة منذ البداية، خصوصًا لأن التحويلات المالية تمثل جزءًا أساسيًا من دخل الفئات الفقيرة. ويبلغ حجم هذه التحويلات حاليًا نحو 10 مليارات يورو سنويًا. وهي بذلك من أهم مصادر العملة الصعبة في المغرب إذ تضاهي في أهميتها عائدات السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة و أحيانا قد تفوقها.
2 - الملكية و المسألة الدينية والضبط الاجتماعي
تمثل المؤسسة الملكية و التعاقب على تولي و اعتلاء العرش عبر حق الوراثة مركز بنية السلطة السياسة في الدولة المغربية منذ قرون. و كان آخرها اعتلاء الملك محمد السادس العرش منذ سنة 1999 خلفا لوالده الحسن الثاني. وبعد قيام الانتفاضات الإحتجاجية الجماهيرية في سياق الربيع العربي سنة 2011، جرت بعض الإصلاحات الدستورية الطفيفة، لكن الملكية بقيت الفاعل الحاسم الذي يمارس السلطة السياسية والاقتصادية والدينية معًا. الإسلام السني المستلهم من المدرسة الفقهية المالكية هو دين الدولة الرسمي، و هو يمنح العائلة المالكة هالة من السمو والشرعية؛ فالملك هو في شخصه أعلى سلطة دنيوية ودينية في البلاد. وتحكم السلالة العلوية البلاد منذ القرن السابع عشر الميلادي، وتحديدًا منذ سنة 1631م حين بويع مولاي الشريف بن علي سلطانًا على منطقة تافيلالت، لتُعدّ تلك البداية الفعلية للحكم العلوي. وتستمد السلالة العلوية شرعيتها في الحكم من دعوتها الانتساب إلى سلالة أهل البيت.
هذا التشابك الوثيق بين الملكية والدين يؤدي كثيرًا إلى قمع الخطابات السياسية أو الاجتماعية البديلة. إذ يُستخدم الدين تقليديا كأداةً أو منهجية لإسكات المعارضين وتعزيز البنى السلطوية القائمة. فتحت شعار الاستقرار والتماسك الاجتماعي للمسلمين المغاربة، طوّر النظام استراتيجيات عدة للضبط الاجتماعي والمراقبة كعناصر للحكم السياسي تعتمد بقوة على المؤسسات والتقاليد الدينية. و في أحيان ليست بقليلة، تحدث الاعتقالات و المتابعات والأحكام السياسية لا بسبب المواقف السياسية نفسها و حسب، بل عبر بناء تهم أخلاقية/سلوكية، وتُرافقها حملات تشهير في وسائل الإعلام. وتخضع المدينة والريف لمراقبة شرطة شبه غير مرئية عبر الضبط الاجتماعي المحلي القائم على الجوار و الحرص على عدد معين من التقاليد الضبطية. كما يقوم نوع محلي خاص من "شرطة الأخلاق" الرسمية منها و غير الرسمية – المقدميين و أعوان السلطة، خصوصا الذين لهم علاقات دينية منهم – على تقويض و تضييق التعددية الثقافية و الدينية في الحياة اليومية ، وكذلك أي تعزيز و توسيع لحقوق النساء والحريات الجندرية والدينية. إلى جانب هذا الضبط القصري، توجد مراقبة إلكترونية ورقمية متطورة لأنشطة الناس وحرية الرأي في وسائل التواصل الاجتماعي. ويمكن لتعليقات ناقدة على فيسبوك أو محتوى سياسي على يوتيوب أن تؤدي، في حال استهدفت مدونين أو صحفيين أو مغنين راب غير مرغوب فيهم، إلى الاعتقال والإدانة مباشرة و إلى السجن في الغالب.
تتمأسس النخب السياسية في المغرب و تتجمع تقليديا على مشترك الولاء والإخلاص للعرش. وفي داخل مختف أجهزة السلطة، تشكل هذه النخب تحالفًا قويًا للدفاع عن الهيمنة السياسية الملكية في البلاد؛ فالملك هو صاحب المشاريع و القرارات السياسية و الإقتصادية الكبرى و هو ملهمها لكل الفاعلين السياسيين الآخرين الذين يتبعونها. وهذا يعني أيضا حماية متبادلة، ومراعاة للمصالح السياسية و المشاركة فيها أو الوصول إلى امتيازات اقتصادية. ويُعاد تشكيل شبكة النخب باستمرار من قبل الملك لإبقائها تحت السيطرة، إذ يتم دمج شخصيات جديدة، بعضها أيضا من مناطق الهامش، واستبدال أخرى، سواء عبر الإكراه أو الرشوة أو الامتيازات السياسية. ووفق دستور 2011، يبقى الملك الحلقة الأهم في جهاز السلطة التنفيذية. ورغم أن إصلاح دستور 2011 عزّز موقع رئيس الحكومة، فإنه لم يضع حدودًا واضحة لنظام المخزن. فلا يجوز التشكيك علنًا ومباشرة في شخص الملك أو مؤسسة العرش أو انتقادهما. ويجب تنفيذ جميع مطالب الملك دون قيد أو شرط. ومع ذلك، تنتشر شائعات عن مرض الملك قد تُحدث خللًا في موازين السلطة القائمة.
3 - حركات الاحتجاج والقمع
منذ سنوات يخرج الناس في الريف وفي مختلف أنحاء المغرب إلى الشوارع. وهم يطالبون بإنهاء الإذلال و القمع، أو ما يُسمّى „الحگرة“، الذي تمارسه الشرطة وموظفو الدولة، وبالاستثمار في الخدمات العمومية وبخلق فرص الشغل. وكان الوضع في المغرب بداية سنة 2011 ليس مختلفًا عنه في تونس أو مصر، لكن مسار ما سُمّي بالربيع العربي في المغرب لم يبلغ الدرجة نفسها من الحدة كما حدث في سوريا أو مصر أو ليبيا. ومع ذلك، يبقى تضليلا أو ديماغوجية الميل إلى الحديث عن „استثناء مغربي“ مــا؛ إذ كانت الاحتجاجات منذ 2011 بارزة ومستمرة في المغرب أيضًا. وقد أظهرت هذه التحركات إرادة واضحة للتغيير السياسي، قادتها أساسًا فئة الشباب المغربي وسكان المدن. وكشفت هذه الحركات عن البُنى السياسية المتقادمة وغير الفعالة والرجعية في قيادة البلاد، وشكّلت نقطة تحول في المجال العمومي السياسي، لأنها وضعت الملكية نفسها لأول مرة موضع مساءلة، وهو أمر كان يُعدّ سابقًا من المحرّمات. وكانت دوافع الاحتجاجات في البلدان المختلفة خلال الربيع العربي متشابهة، لكن الحركة في المغرب لم تسعَ إلى إسقاط جذري للنظام، بل طالبت بإصلاحات دولة تتعلق بالدستور وسوق العمل والتعليم والفقر، وبمواجهة تهميش الشباب و بالكرامة. أهم هذه الإحتجاجات حركة 20 فبراير.
حركة 20 فبراير
أظهرت حركة "20 فبراير" التي انطلقت سنة 2011 والاحتجاجات في منطقة الريف سنة 2017 ضد الظلم الاجتماعي والقمع السياسي استمرار مقاومة قطاعات واسعة من المجتمع المغربي للنظام السياسي و رفض الوضع الاجتماعي العام في البلاد. وقد تميّز ردّ السلطة دائمًا بالقمع والتقييد الواسع لحرية الرأي والتجمع. وتعرض الناشطون السلميون والصحفيون والمعارضون السياسيون للترهيب والاعتقال، وأحيانًا حتى للتعذيب. وقد ازداد تعامل المخزن القمعي مع المحتجين في الفضاء العام حدّةً في العنف الممارس، مما زاد من منسوب عدم الرضى و السخط في المجتمع المغربي. كما جرى تجاهل المطالب الاجتماعية-الاقتصادية الحقيقية للمحتجين والمشكلات العميقة في القيادة السياسية للبلاد إلى حد كبير في الخطاب الرسمي. وكانت الإصلاحات مجرد ردّ تكتيكي من المخزن بهدف التأثير في الرأي العام لصالح النظام. وفي الواقع، ساعدت هذه الإصلاحات على تهدئة الوضع وإضعاف الاحتجاجات، بينما كانت بلدان عربية أخرى تتجه نحو التصعيد.
Nächtliche Demo in Casablanca 2011: Anhänger der "Bewegung des 20.Februar" demonstrieren für die Freilassung von Mouad Belghouat alias el-Haket (der Empörte), eines unter Jugendlichen sehr populären inhaftierten Rappers. (C) T.S.
وخلال مسار حركة 20 فبراير، تم تعديل بعض المطالب: فقد طالب المحتجون في البداية بإصلاحات تؤسس في المغرب لـ“ملكية برلمانية“، لكن الخلافات الداخلية داخل الحركة أدت إلى تعديل هذا المطلب إلى المطالبة بـ“دستور ديمقراطي“ يعكس إرادة الشعب. وتحركت قطاعات من المخزن بسرعة وحنكة لتجنب تطرف المطالب أو انفجار الوضعية العامة فتفاعلت مع الاحتجاجات تفاعلا نسبيا و محدود، فبادرت إلى إدخال إصلاحات دستورية شكلية، وإلى وضع فصلٍ صوري بين أدوار و سلط كل من رئيس الحكومة والملك. بينما جرى إبعاد أنشطة حركات حقوق الإنسان والديمقراطية من المجال العام وفرض قيود قانونية عليها في نفس السياق.
وكان لهذه الاستراتيجية السياسية أثر على كل من الحركات الاحتجاجية والحكومة. فقد قدّمت الحكومة بعض التنازلات الرمزية أو أجرت إصلاحات محدودة للاستجابة للمطالب. وغالبًا ما قبلت الحركات الاحتجاجية بالإصلاحات المقترحة من أجل اكتساب الشرعية أمام الدولة، وإظهار تعاون بنّاء، وتمكين نفسها من مواصلة نشاطها. ويشرح هذا التفاعل نهاية احتجاجات حركة 20 فبراير سنة 2011 في المغرب. ومع أن الحركة شكّلت تحديًا مهمًا للنظام الملكي ودفعته إلى إصلاح دستوري، فإنها لم تنجح في إحداث تحول سياسي واجتماعي طويل الأمد؛ إذ بقيت النقاشات السياسية وعمليات اتخاذ القرار محصورة في الهيئات النخبوية الخاصة في البلاد، ومقصيةً منها الأغلبية الاجتماعية.
احتجاجات الريف
في خريف 2016 اندلعت موجات احتجاج في منطقة الريف شمال المغرب. وقد فجّرها الموت المأساوي لبائع السمك محسن فكري، الذي سُحق داخل شاحنة نفايات بطريقة مروعة عندما حاول استرجاع بضاعته التي صادرتها الشرطة. وفي الأشهر التالية امتدت الحركة الاحتجاجية إلى أجزاء أخرى من البلاد. وكانت مطالب المتظاهرين تتركز أساسًا على خلق فرص عمل وتحسين البنية التحتية للمنطقة و المطالبة بالكرامة. واستمرت الاحتجاجات لأشهر واكتسبت زخمًا كبيرا، لا سيما كردّ فعل على القمع المتزايد من طرف الأجهزة الأمنية. فبعد سنوات من الصمت، شارك سكان المنطقة بأكملهم بشكل مباشر أو غير مباشر في التظاهرات. ولعبت النساء دورًا قياديًا في هذه الاحتجاجات. وتصاعد النزاع عندما اعتقلت الحكومة أحد قادة الحركة، ناصر الزفزافي، مع آخرين.
تلت ذلك سلسلة من المحاكمات. ففي 2018 حُكم على أكثر من 100 ناشط بأحكام سجنية. وقد شمل العفو الملكي بعض المحكومين لاحقًا، بينما ما يزال الزفزافي وآخرون من القادة يقضون عقوباتهم التي وصلت إلى 20 سنة سجنا. ولا يزال النظام يروّج عبر وسائل الإعلام والمساجد لدعاية مضللة تزعم أن الحركة تنزع إلى "الانفصال" وأنها لذلك "خطيرة" و تدعو إلى "الفتنة"، وهي كذبة تتردد أيضًا في الشتات الأوروبي. ولم يطالب ناصر الزفزافي و باقي المحتجين حوله يومًا باستقلال أو "انفصال" منطقة الريف عن باقي مناطق المغرب. وتشكّل الاحتجاجات المستمرة للسكان الأمازيغ في منطقة الريف نقطة مهمة من السخط السياسي والاجتماعي. وتُعدّ هذه الاحتجاجات التي أطلق عليها حراك الريف الأبرز منذ حركة 20 فبراير سنة 2011. ورغم تشابه أسباب السخط الأساسية، مثل البطالة والفساد في الأجهزة الحكومية، التي أطلقت كلًّا من احتجاجات الريف وحركة 20 فبراير معا، فإن بين الحركتين اختلافات واضحة في البنية والأساليب، ولا سيما من حيث الجذور الجهوية للاحتجاجات في الريف.
احتجاجات زاكورة وجرادة
كانت لهذه الاحتجاجات، التي انطلقت بعد سنة من احتجاجات الريف، امتدادات لها في مدن صغيرة هامشية ذات غالبية أمازيغية. ففي "مظاهرات العطش" بمدينة زاكورة الواحية في الجنوب، خلف جبال الأطلس، خرج السكان في سبتمبر 2017 للاحتجاج على تعطل خدمة المياه العمومية. وقد فُرّقت تظاهرة أخرى في 8 أكتوبر بعنف. وبعد أيام عيّن الملك لجنة لمعالجة مشكلة المياه.
أما الاحتجاجات في جرادة، المدينة التي يسكنها نحو 40 ألف نسمة، فقد بدأت في 22 ديسمبر 2017 بعد ان لقي عاملين مصرعهما في حادث داخل أحد مناجم الفحم المحلية. وكانت هذه المدينة الصغيرة، الواقعة على بعد نحو 50 كيلومترًا جنوب غرب وجدة، تضم منجم فحم يعود استغلاله إلى الحقبة الاستعمارية، وأُغلق سنة 1998. وبعد الإغلاق تكررت الاحتجاجات، وجرى اللجوء إلى استخراج الفحم بشكل غير قانوني من آبار محفورة بشكل يدوي. وفي 13 مارس 2018 أصدرت الحكومة تحذيرًا أعلنت فيه حظر كل "التظاهرات غير القانونية في الفضاءات العامة". وفي حادثة يوم 14 مارس، التي وثقها مقطع فيديو وانتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، اندفعت سيارات الشرطة بسرعة باتجاه مجموعة من المتظاهرين، فاصطدمت إحدى السيارات بفتى في السادسة عشرة من عمره و أصابته إصابات بالغة الخطورة. ومنذ ذلك اليوم قامت قوات الشرطة بتنفيذ اقتحامات و مداهمات لبيوت ومنازل عديدة في جرادة من دون إبراز أوامر اعتقال، و استعملت عنفا مبالغ فيه اتجاه عدد من المواطنين أثناء توقيفهم، وكسرت الأبواب والنوافذ، كما أفاد ناشطون لمنظمة هيومن رايتس ووتش.
4 - جغرافيات الحدود ومسارات الهجرة
لقد رسمنا بالفعل ملامح جغرافيا الحدود في القسم 1.1. هنا نتوقف لنصف مسارات و حيثيات الدخول إلى المغرب خلال رحلة الهجرة (4.1) والصراعات و المعضلات التي ترافق مسارات الهجرة نفسها (4.2). لا يشكّل الدخول إلى المغرب مشكلة لمواطني الاتحاد الأوروبي، إذ يحصل جميع مواطني الدول الأعضاء على تأشيرات سريعة عند الوصول مباشرة إلى المغرب. أما مواطنو العديد من البلدان الإفريقية، خصوصا مناطق جنوب الصحراء، فيخضعون لشرط الحصول على تأشيرة، مما يجعل الوصول من خلال "الدخول النظامي" إلى المغرب أكثر صعوبة بكثير. ومع ذلك، إذا أراد المهاجرون واللاجئون مواصلة السفر من هناك إلى أوروبا، فإن التجربة تثبت أن الخروج من المغرب يعتبر بحد ذاته التحدي الأكبر. وقد طوّرت الدولة المغربية في السنوات الأخيرة ممارسات تمكّنها من الاستفادة من المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء كورقة تفاوض، لا سيما في مواجهة الاتحاد الأوروبي. ويتوقف هذا الربح على إمكانية استمرار أو منع استمرار الرحلة نحو الشمال. وفيما يتعلق بانتهاك حقوق الإنسان، تحولت "شراكة الهجرة" هذه بين المغرب والاتحاد الأوروبي إلى شكل من أشكال التواطؤ و الصمت المتبادل عن جرائم و انتهاكات متعددة تمس حياة و سلامة المهاجرين العالقين بين الحدود المغربية و الأوربية.
4.1 - الدخول إلى الأراضي المغربية
تتعدد الأشكال وأماكن و المعابر (الحدودية) التي تسمح بالدخول إلى المغرب، وكذلك العوائق وانتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بها، إلى حد كبير وفقًا للأصل الاجتماعي والجغرافي للمهاجرين. فعلى سبيل المثال، يحتاج مواطنو الكاميرون ونيجيريا وكذلك توغو إلى تأشيرة لدخول المغرب. ويُحرم كثير من الناس من هذا الخيار، مما يضطرهم إلى الاعتماد على طرق برية – غالبا ما تكون طرقا معدة للتهريب - نحو المغرب تمر عبر الصحراء وعبر الحدود الجزائرية-المغربية.
لكن حتى مواطني الدول الإفريقية التي وقّعت اتفاقيات تأشيرة مع المغرب، تُطبَّق عليهم اليوم آليات ضبط و تنظيم معقدة و إعجازية. فقد أدخل المغرب في عام 2017 نظام "التصريح الإلكتروني للسفر" في البداية لمواطني غينيا كوناكري والكونغو برازافيل ومالي. ويُخضع المهاجرون من هذه الدول الثلاث لفحص فعلي يعادل طلب التأشيرة، وغالبًا ما يتم رفض التصريح بالدخول الرسمي لهم في الأخير.
4.1.1 - المطار الدولي في الدار البيضاء كحدّ مركزي للدخول من إفريقيا
بالنسبة للأشخاص الذين يصلون إلى المغرب عبر الطائرة، يُعدّ المطار الدولي في الدار البيضاء نقطة محورية مهمة. فبينما توجد رحلات مباشرة عديدة من المطارات الأوروبية إلى مدن مغربية مختلفة، تحط الرحلات القادمة من دول افريقيا جنوب الصحراء دائمًا في مطار الدار البيضاء. و يلعب هذا المطار دورًا أساسيًا في مراقبة دخول القادمين من الدول الإفريقية الجنوبية و الأشخاص الذين يُرفض دخولهم يُحتجزون، وفقًا للقانون 02-03، أحيانًا لأيام أو حتى لأسابيع في الجزء الدولي من المطار، المعروف باسم "منطقة الانتظار" (zone d’attente)، ويواجهون خطر الترحيل إلى بلدانهم الأصلية. و بينما ينص القانون على إتاحة الوصول و إلى القيام بإجراءات الاستقبال و توفير اللجوء لطالبي الحماية و الهاربين من الحرب و المجاعة، إلا أن هذه الطلبات تُرفض في الغالبية العظمى من الحالات، وهو ما يشكّل خرقًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية (Non-Refoulement). علاوة على ذلك، يُحتجز المواطنون الأفارقة في العديد من الحالات في مطار الدار البيضاء عندما يكونون في حالة عبور (ترانزيت) نحو الاتحاد الأوروبي، وذلك بذريعة تزوير الوثائق. وتمثل هذه الممارسة شكلًا من أشكال تفويض فحص الوثائق من قبل الاتحاد الأوروبي عبر ما يُعرف "بعقوبات الناقل أو الحامل" (Carrier Sanctions)، حيث تُجرى هذه الفحوص غالبًا من قبل موظفي شركة الخطوط الملكية المغربية. وفي عام 2017، حققت منظمة حقوق الإنسان GADEM نجاحًا في هذا السياق عندما كشفت علنًا عن احتجاز امرأة من جمهورية إفريقيا الوسطى وطفلها حديث الولادة بشكل عنيف في المطار من قبل الأجهزة الأمنية، وعن خطر ترحيلهما غير القانوني. وقد أدت الحملة إلى السماح لهما بدخول المغرب. ولا توجد إحصاءات رسمية حول عدد الأشخاص الذين يُحتجزون أو يُرحّلون بهذه الطريقة، ومن المرجح أن العديد من حالات الترحيل تتم بعيدًا عن رقابة القانون المنظم أو المجتمع المدني والجهات المتخصصة.
4.1.2 - المناطق الحدودية مع الجزائر وموريتانيا
نظرًا لصعوبة الدخول الرسمي أو "النظامي" إلى المغرب من الخارج الإفريقي بالنسبة لكثير من الأشخاص، يعتمد هؤلاء على مسارات غير رسمية و "غير نظامية" في الغالب، و تمر هذه المسارات في حالات كثيرة عبر أراضي الجزائر. تمتد الحدود بين المغرب والجزائر لأكثر من 1500 كيلومتر، وهي مغلقة رسميًا منذ عام 1994، ويؤمَّن جزء منها بخندق عميق. ومع ذلك، تُبقي طرق التهريب والعبور المتعددة على حركة حدودية محدودة و لكنها نشيطة و متجددة. ويستغل مواطنو دول إفريقية أخرى هذا الوضع الحدودي المقلب و الهش للعبور من الجزائر إلى المغرب وبالعكس.
Verlauf der Grenze in der Region Oujda
تنطوي ظروف هذا العبور بالطبيعة الحال على أخطار كبيرة و شتى، حيث يقوم ما يُعرف بـ"المرشدين" (Guides) بنقل و تهريب المهاجرين عبر الحدود. وقد تكررت التقارير عن تعرّض الأشخاص أثناء التنقل للاحتيال والسرقة. وتُعدّ مدينة وجدة، التي تشكّل أول محطة على الأراضي المغربية من الجهة الحدودية الشرقية مع الجزائر، و هي منطقة خطرة و مراقبة و معروفة بين المهاجرين بحالات الاحتجاز التعسفي والاستغلال، وغالبًا ما يحدث ذلك بدعم أو بتواطؤ من الأجهزة الأمنية المغربية. ومنذ بداية عام 2022، جرى تعزيز تأمين الحدود باعتبارها منطقة عسكرية، ما أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف التهريب إلى وجدة. كما أصبحت هجرة المواطنين المغاربة نحو الجزائر بدورها عرضة لتجريم متزايد، وقد انخفض عدد عمليات العبور الحدودي، خاصة في محيط وجدة على الجانب المغربي ومغنية على الجانب الجزائري، بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة.
أما جنوب المغرب، فهو منطقة صحراوية يصعب الوصول إليها عموما. ففي الوقت الذي تخضع الصحراء الغربية لسيطرة عسكرية جزئية من طرف الجيش المغربي المرابط هناك، يمتد جدار رملي بطول 2400 كيلومتر، مدعوم بقواعد عسكرية وأبراج مراقبة، من جنوب المغرب حتى الحدود مع موريتانيا. لذلك، فإن ظروف الدخول عبر هذا المسار الجنوبي بالغة الصعوبة. ومن المقرر خلال عام 2025 افتتاح معبر حدودي جديد بين الأراضي التي يسيطر عليها المغرب في الصحراء الغربية وموريتانيا، بالقرب من مدينة السمارة. غير أن هذا المعبر الحدودي سيكون ذا فائدة تذكر أساسًا للأشخاص و المجموعات الحاصلين على تصاريح دخول مسبقا. أما عبور الحدود في المناطق الصحراوية المُعسكرة خارج نقاط العبور الرسمية فينطوي على مخاطر كبيرة بسبب حقول الألغام، ولذلك يُعدّ مسارًا نادر الاستخدام للهجرة.
Luftaufnahme der Grenzbefestigung in Verlauf der Westsahara. (C) Wikipedia
4.2 - الطريق نحو الشمال: حركات الهجرة وسياسات القمع
4.2.1 - طرق العبور عبر البحر الأبيض المتوسط
بعد أن قامت إسبانيا تحت ضغط الاتحاد الأوروبي الذي كان قد تأسس حديثًا بفرض تأشيرة دخول على المواطنين المغاربة عام 1992، أصبحت الطريق عبر مضيق جبل طارق على مدى عقود مسارًا رئيسيًا للهجرة "غير النظامية" والفرار نحو أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط. وكان المهاجرون، المعروفون بـ"ركاب القوارب" أو "الحراكة" كما يطلق عليهم محليا في المغرب، ينطلقون من شواطئ الجانب الأطلسي لمدن الشمال الرئيسية كطنجة و تطوان و الفنيدق، مثل شاطئ أشقار أو بليونش، أو من الجانب المتوسطي قرب ميناء طنجة المتوسط، في محاولة للوصول إلى السواحل الإسبانية. واليوم، يضم هذا الموقع ميناء طنجة المتوسط، أحد أكبر الموانئ التجارية في القارة وأكثرها خضوعًا للمراقبة الأمنية المشددة. فمنذ النصف الثاني من عقد 2010، أي انطلاقا من سنة 2015 أخذت سياسات تقييد حرية التنقل و ضبط حركات الهجرة في شمال البلاد طابعًا ممنهجًا يعود إلى بداية تنفيذ سياسات الأخرجة المفروضة من طرف الإتحاد الأوربي على دول كالمغرب و تونس و تركيا.
وتكشف تقارير أطباء بلا حدود في تلك الفترة حجم العنف و الانتهاكات الصارخة التي لازمت هذه السياسات و تطبيقها من البداية. وقد بلغ هذا العنف ذروته عام 2022 مع مجزرة مليليه. ففي 24 يونيو 2022، وقعت واحدة من أعنف الحوادث في تاريخ الهجرة غير النظامية عند الحدود المغربية-الإسبانية، حين حاول ما يقارب 2000 مهاجر أفريقي اقتحام السياج الحدودي الفاصل بين مدينة الناظور ومليليه المحتلة، في منطقة باريو تشينو. وأسفرت المواجهات، التي شهدت تدخلا مشتركا لقوات الأمن المغربية والإسبانية، عن مقتل ما لا يقل عن 23 مهاجرا أفريقيا، في حين صرحت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى وجود 27 قتيلا، بينما تحدثت منظمة العفو الدولية عن 37 ضحية، إضافة إلى عشرات الجرحى ومفقودين لم يُعرف مصيرهم بعد. وقد أثارت الواقعة، التي عُرفت إعلاميا بـ"مجزرة مليليه" أو "الجمعة الدامية"، موجة إدانات حقوقية دولية طالبت بفتح تحقيق مستقل ونزيه، غير أن النيابة العامة المغربية قررت في يونيو 2024 إغلاق ملف التحقيق، معتبرة أن تدخل قوات الأمن جاء "متناسبا" ودون توفر أدلة على ارتكاب جريمة، وهو ما اعتُبر ترسيخا للإفلات من العقاب في ملف لا يزال يثير الجدل حول مسؤولية الرباط ومدريد عن سياسات "الأخرجة" أو تصدير مراقبة الحدود. ويجري توظيف خطاب مكافحة الاتجار بالبشر كأداة لتبرير العنف المفرط الذي تتوخى منه الاجهزة وقف الهجرة بالدرجة الأولى بدلًا من حماية الضحايا؛ بل على العكس من ذلك، تستمر حتى اليوم عمليات الترحيل القسري داخل البلاد، وكذلك الإعادة القسرية والطرد غير القانوني، في استهداف أشخاص معرّضين للاتجار بالبشر أو متضررين منه.
وتعمد البحرية المغربية إلى اعتراض القوارب في غرب البحر الأبيض المتوسط وكذلك على المسار الأطلسي، وإعادتها إلى الأراضي المغربية. كما تشهد مدن طنجة وتطوان والناظور، إضافة إلى مناطق الغابات في بليونش وغوروغو، حملات مداهمة متواصلة تستهدف بشكل حصري تقريبًا المهاجرين من ذوي البشرة السوداء مما يظهر الطابع العنصري العميق و اللامخفي لهذه الممارسات و التدابير الأمنية. وقد أسفرت هذه العمليات عن انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، بل وعن سقوط ضحايا. كما أُنشئت مراكز احتجاز تُستخدم فعليًا كمراكز ترحيل، تقع تحت إشراف وزارة الداخلية، حيث يُرحَّل الأشخاص دون أي ضمانات إجرائية أو حق في التقاضي.
ولا تزال هذه الممارسات الأمنية مستمرة حتى اليوم. ففي تقرير نشرته منظمتا ASGI و SOLROUTE في أبريل سنة 2025، جاء فيه أن البحث الميداني الذي أُجري بين أكتوبر ونوفمبر 2024 وثّق وجود نظام قائم على الاعتقال التعسفي والترحيل الداخلي، يستهدف بشكل منهجي كل من يحاول عبور الحدود نحو أوروبا، ولا سيما المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، الذين يُعتقلون أيضًا داخل مراكز المدن. وتشمل هذه الممارسات حتى الأشخاص الخاضعين لحماية المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وكذلك القاصرين و النساء الحوامل و الاطفال و الفئات الهشة، ضمن منطق رقابي وقمعي يحمل طابعًا عنصريًا واضحًا.
وفي هذا السياق المستمر عينه، تتعرض مبادرات المجتمع المدني بدورها لأشكال مختلفة من القمع. إذ يواجه الانخراط السياسي أو التنظيم في مجموعات للاحتجاج و الدفاع عن حقوق المهاجرين من قبل المهاجرين وخصوصا سود لبشرة منهم، وهم الأغلبية، ظروفًا بالغة الصعوبة، حيث تُفضّ العديد من الاحتجاجات بالقوة مع يتبعه من اعتقالات تعسفية و السجن او الترحيل القسري. كما يتعرض ناشطون أوروبيون بدورهم لعمليات ترهيب مكثفة قد تصل إلى حد الملاحقة القضائية. ومن الأمثلة على ذلك، ترحيل الناشطة الإسبانية هيلينا مالينو غارثون عام 2021 من مدينة طنجة، حيث كانت تقيم، إلى إسبانيا، مع فرض حظر دخول لا يزال ساريًا حتى اليوم.
4.2.2 - المناطق الحدودية المحيطة بالجيبَين الإسبانيين سبتة ومليليه
على غرار طنجة، تسود في الناظور أيضًا أجواء أكثر قمعًا تجاه المهاجرين السود المُجرَّدين من أوراق الثبوتية و دون تسوية لوضعهم القانوني. وهناك تُنفَّذ مداهمات منتظمة في الأحياء السكنية، وغالبًا ما تُبرَّر هذه العمليات بذريعة توقيف و تفكيك شبكات تهريب البشر. بيد أن هذه الشبكات قائمة فعلًا، ولا سيما بسبب الصعوبات التي تكتنف عبور الحدود من وإلى الجزائر. أما الشبكات التي كانت تُدار ذاتيًا، فقد باتت بالكاد قادرة على الاستمرار بفعل القمع. و قد جرى عسكرة الحدود مع الجيبين الإسبانيين سبتة ومليليه إلى أقصى حد. وكان مجزرة مليليه في 24 يونيو/حزيران 2022، التي ارتكبتها قوات الأمن المغربية على مرأى من شرطة الحدود الإسبانية، علامة فارقة على مستوى التعاون بين السلطات المغربية والأوروبية.
وتقع المناطق الحدودية المحيطة بالجيبَين في مواقع معزولة: ففي محيط مليليه يمتد غابة جبل گوروگو، بينما تحيط بمدينة سبتة غابة بليونش فوق تضاريس جبلية تنتهي عند جبل موسى. وهذه العزلة، إلى جانب الطابع العسكري الذي يطغى على المناطق الحدودية، تجعل توثيق الانتهاكات العنيفة التي ترتكبها قوات الأمن، سواء في سبتة ومليليه أو في محيط طنجة، توثيقًا جزئيًا فقط. وقد تعرّض كثير من المهاجرين الذين اضطروا إلى الفرار في هذه التضاريس الغابية والجبلية لإصابات خطيرة. أما الوصول إلى العدالة، بمعنى ملاحقة عناصر الأمن قضائيًا، فيكاد يكون مستحيلًا بالنسبة إلى الأشخاص في حركة People on Move.
وكما هو الحال في مناطق أخرى من البلاد، ظل حضور المهاجرين في شمال المغرب موضع صراع منذ العقد الأول من الألفية. فقد أفادت مجموعة GADEM المناهضة للعنصرية عام 2018 بوقوع عمليات مداهمات بوليسية عنيفة في شمال المغرب أُوقف فيها أكثر من 6500 شخص، ونُقل بعضهم إلى الصحراء. وكانت هذه المنظمة غير الحكومية قد وثّقت أسلوبًا مشابهًا سنة 2015. كما ذكرت منظمة أخرى مهمة في المجتمع المدني، وهي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع الناظور، وقوع مداهمات جديدة في ديسمبر 2021. وقد تعرّضت التجمعات الذاتية التنظيم داخل المخيمات، التي كانت تُستخدم لضمان الحياة اليومية أو لتنظيم عبور القوارب والاستعدادات لاجتياز الحواجز الحدودية، إلى تدمير شبه كامل بعد مجزرة مليليه عام 2022.
ويُعدّ مركز الاعتقال والترحيل غير الرسمي في أركمان، الواقع على بعد بضع كيلومترات شرق مدينة الناظور، نقطة ارتكاز أساسية لأساليب الحجز و التعذيب التي تقوم بها الأجهزة الأمنية في المنطقة ولعمليات الترحيل المتسلسل نحو الجزائر. وفي هذا المكان يمضي الأشخاص في حركة People on Move الفترة المجهولة بين الاعتقال والترحيل. وفي الناظور والمناطق المحيطة بها، تنشط خصوصًا منظمة AMDH المذكورة سابقًا، من أجل توثيق انتهاكات حقوق الإنسان الجارية هناك وفضحها.
ومنذ أواخر العقد الثاني من الألفية، كثرت محاولات الوصول إلى الجيبين الإسبانيين عبر البحر. وفي هذا السياق، يختفي أشخاص كثيرون بشكل متكرر. كما تسهم تدخلات قوات الأمن في حالات عديدة بصورة حاسمة في وفاة المهاجرين، كما حدث مثلًا عام 2014 خلال مجزرة طاراخال. وفي عام 2019، وقعت حادثة تسببت في صدمة للرأي العام المغربي على نحو خاص، حين أطلقت البحرية المغربية النار على شابة مغربية من تطوان أثناء محاولتها الوصول إلى سبتة بقارب. وفي عام 2021، وفي سياق أزمة دبلوماسية بين المغرب وإسبانيا مرتبطة بقضية الصحراء الغربية، شهدت سبتة عبورًا جماعيًا للحدود. فقد وصل إلى المدينة نحو ثمانية آلاف شاب، غالبيتهم مغاربة، بعدما لم تمنعهم القوات الأمنية المغربية من العبور، مستخدمين دواليب السباحة وقوارب صغيرة. وقد أوقفهم الجيش الإسباني، ثم أُعيد 5600 منهم إلى المغرب في اليوم نفسه. وقد اعتبرت المحكمة العليا الإسبانية هذا الردّ القسري غير قانوني مطلع عام 2024، بالنظر إلى أن المرحَّلين كانوا قاصرين.
واعترفت إسبانيا في أبريل/نيسان 2022 بمطالبة المغرب بالسيادة على الصحراء الغربية. ومنذ ذلك الحين، باتت القوات الأمنية المغربية تفرض مراقبة مشددة أيضًا على المنطقة الحدودية المقابلة لسبتة. وبلغ العنف الممارس من القوات المغربية والإسبانية ذروته في 24/06/2022 في مجزرة مليليه المشار إليها سابقًا. وقد قُتل ما لا يقل عن 37 شخصًا أسود البشرة أثناء محاولتهم الوصول إلى الجيب الإسباني، نتيجة التدخل العنيف للقوات الأمنية المغربية والإسبانية. وحتى اليوم، لم تُفتح تحقيقات شاملة في هذه القضية، ولا يزال 77 شخصًا في عداد المفقودين. وبعد هذا الحادث، قامت المغرب بتسييج المنطقة المحيطة بمليليه. كما مُنعت المتاجر والفنادق في الناظور من بيع السلع للأفارقة السود أو إيوائهم.
وفي الآونة الأخيرة، كان معظم من حاولوا الوصول إلى الجيبين من المغاربة أنفسهم. ففي فبراير/شباط 2024، سبح بعض الأشخاص نحو سبتة بعد أن هدمت السلطات المغربية منازلهم في بليونش ضمن مشروع تنموي. وفي أغسطس/آب 2024، حاول آلاف الأشخاص مجددًا الوصول إلى سبتة، أحيانًا وسط ضباب كثيف، عبر المياه. وقد أُعيد هؤلاء أيضًا إلى المغرب.
أزمة سبتة و مليليه الأخيرة في يوليوز 2026
في أواخر شخر يوليوز سنة 2026 اندلعت أزمة هجرة غير مسبوقة على الحدود بين المغرب و كل من المدينتين الإسبانيتين سبتة و مليليه، حين عبر عشرات الآلاف من المهاجرين – ما يناهز 60 ألف شخص تقريبا - بشكل غير قانوني الحدود من المغرب نحو المدينة الإسبانية سبتة ذات الحكم الذاتي، مع محاولات أقل عددًا نحو مليليه المجاورة، في ما وصفته تقارير أوروبية بأكبر موجة عبور تشهدها المدينة في تاريخها.
وجاءت الأزمة عقب أسابيع من حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو 2026 يقضي بعدم جواز الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليليه، على أن يخضعوا بدلاً من ذلك للإجراءات القانونية العادية الخاصة بالهجرة. ويرى مراقبون أن شبكات تهريب البشر بتواطؤ مع السلطات المغربية استغلت هذا القرار القضائي لترويج شائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي مفادها أن الوصول إلى سبتة يمنح فرصة أكبر للبقاء داخل الأراضي الإسبانية، وهو ما نفته الحكومة الإسبانية رسميًا، بينما أفاد مسؤول مغربي رفيع المستوى لوكالة فرانس برس بأن الرباط كانت قد حذّرت مدريد مسبقًا من المخاطر التي قد يفرزها هذا الحكم القضائي.
وقد دخل معظم المهاجرين عن طريق السباحة حول حواجز الأمواج في تراخال وبنزو، أو سيرًا على الأقدام بمحاذاة الساحل، ما أرهق مرافق الاستقبال المحلية ودفع حكومة سبتة إلى طلب إعلان حالة طوارئ وطنية في إسبانيا. وتضاربت الأرقام المتداولة بحسب المصدر والتوقيت، إذ تحدثت تقارير عن دخول ما بين 50 و60 ألف مهاجر خلال أقل من 24 ساعة، فيما أعلنت السلطات الإسبانية أن قرابة نصف الداخلين عادوا طوعًا إلى المغرب بحلول 31 يوليوز. أما حصيلة القتلى، ومعظمهم قد لقوا مصرعهم غرقًا أثناء محاولات العبور سباحة، فقد تفاوتت بدورها بشكل كبير: من 67 حالة وفاة بحسب وزير الداخلية الإسباني، إلى ما لا يقل عن 88 وفاة في تحديثات لاحقة، في حين اعلنت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ارقام تصل إلى ما يقارب 130 بين قتيل ومفقود، مسجلة أيضًا مواجهات عنيفة بين البوليس و مجموعات الشخاص الراغبين في العبور عند معبر بني انصار المؤدي إلى مليليه.
وأثارت الأزمة انقسامًا سياسيًا حادًا داخل الاتحاد الأوروبي؛ فبينما تحدثت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن صمود او نجاح ما سمته بــ "المقاربة الإسبانية-المغربية" واعتبرتها اختبارًا ناجحًا لأمن الحدود الخارجية، دعت كل من إيطاليا والدنمارك إلى تعليق عضوية إسبانيا في فضاء شنغن، رغم أن سبتة مستثناة أصلاً من هذا الفضاء. ووصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ردود فعل بعض الدول الأعضاء بـ"الأنانية والمثيرة للانقسام"، فيما طالبت 22 حكومة أوروبية بعقد اجتماع طارئ لوزراء الداخلية لبحث تداعيات الأزمة. كما وظّفت شخصيات يمينية أوروبية، على رأسها رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني ووزير خارجيتها، الحادثة للهجوم على سياسات التجنيس الإسبانية، فيما امتدت أصداء الأزمة إلى واشنطن حيث استُخدمت مشاهد الحشود سياسيًا من قبل مسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتبرير التشدد في ملف الهجرة.
وفي المقابل، لوحظ ما وصفته تقارير أوروبية بـ"الصمت الرسمي" للمؤسسات المغربية حيال الأزمة، فيما أوضح مسؤول مغربي أن قوات الأمن لم يكن بإمكانها مواجهة هذا العدد الهائل من العابرين. وأصدرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بيانًا اعتبرت فيه أن موجة النزوح الجماعي تعكس انسدادًا في الأفق الاجتماعي شمال المغرب وفشلًا في سياسات الدولة، منتقدة كذلك إجراءات منع التنقل التي فرضتها السلطات على الرحلات المتجهة نحو الشمال في أعقاب الأحداث.
وتبقى الوقائع، نظرًا لحداثتها وتضارب الأرقام بين المصادر الرسمية والحقوقية، عرضة للتحديث مع صدور تحقيقات ومعطيات إضافية في الأيام المقبلة.
4.2.3 - طريق الأطلسي
منذ عام 2018 اكتسب الطريق الأطلسي الرابط بين المناطق المحتلة في جنوب المغرب وجزر الكناري الإسبانية أهمية متزايدة. ويرتبط ذلك مباشرة بالإغلاق شبه الكامل لطريق غرب المتوسط والمسالك المؤدية إلى الجيوب الإسبانية. تنطلق القوارب الحاملة للمهاجرين من نقاط مختلفة على امتداد ساحل يبلغ طوله نحو 800 كيلومتر، بين مدينتي طانطان بلاج والداخلة. يقع هذا الشريط الساحلي جزئياً داخل الأراضي المغربية، لكنه يمتد في معظمه داخل أراضي الصحراء الغربية. وكما هو الحال في شواطئ ز مناطق طنجة والناظور، تشهد هذه المنطقة تصاعداً في السياسات القمعية، وحملات المداهمة، وعمليات الترحيل القسري إلى داخل البلاد. فخلال جائحة كوفيد-19 جرى احتجاز العديد من المهاجرين لأشهر في مراكز عزل، وفق ما وثقته مجموعة من منظمات المجتمع المدني. وعلى الرغم من أن أقصر مسافة إلى جزيرة فويرتيفنتورا لا تتجاوز 100 كيلومتر، فإن الرحلة عبر هذا المسار أطول بكثير وأكثر خطورة مقارنة بطريق غرب المتوسط. وغالباً ما تعترض البحرية المغربية القوارب وتعيد ركابها إلى المغرب، بما في ذلك الأشخاص الذين يكونون في حالة خطر في عرض البحر. ويتم بعد ذلك نقل الناجين قسراً إلى مناطق أخرى داخل البلاد. وقد نجح عدة آلاف من الأشخاص، معظمهم من المغرب نفسه، في الوصول إلى جزر الكناري عبر هذا الطريق. غير أن غالبية أكثر من 40 ألف شخص وصلوا إلى الجزر في عام 2024 سلكوا طريقاً أشد خطورة، ينطلق من موريتانيا والسنغال، ويعاكس التيار البحري المعروف بتيار الكناري.
(C) UN 2006
5 - وضعية المهاجرون المقيمين في المغرب
5.1 - الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمهاجرين في المغرب
منذ سنة 2000 لوحظ ارتفاع كبير في عدد المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء و "العالقين" او الذين اضطروا إلى "الإقامة" داخل المغرب بشكل اضطراري. وتُقدَّر أعدادهم بنحو 50 ألفاً، فيما تشير تقديرات أخرى إلى ما بين 70 ألفاً و200 ألف. و هي أعداد تتفاوت و تصير موضوعا لتقديرات متضاربة خصوصا في ظل غياب أي سياسات رسمسة جدية لرعاية المهاجرين و توثيقهم أو احصائهم جميعا. وقد حصل نحو 50 ألف شخص على تصاريح إقامة خلال حملتي تسوية الأوضاع بين عامي 2014 و2017، ما أدى إلى زيادة التفاعل بين السكان المحليين والمهاجرين. ومع ذلك، لا تزال المشاركة المجتمعية للمهاجرين والفئات التي تعاني من التمييز العنصري محدودة للغاية، في ظل انتشار واسع للأحكام المسبقة والتمييز العنصري في أوساط المجتمع المغربي.
العمل
تشكل مشكلة محدودية الوصول إلى سوق العمل النظامي إحدى أبرز العقبات التي يواجهها المهاجرون المقيمون في المغرب. فقد ارتفعت معدلات البطالة في السنوات الأخيرة بشكل حاد، لتصل في بعض المناطق إلى 30%. كما أن نحو ثلثي علاقات العمل في المغرب تتم في القطاع غير النظامي أو ما يسمى بالقطاع غير المهيكل. ما يجعل المشكلة عامة تمس كل أطياف المجتمع المغربي ككل، لكنها أكثر حدة و قسوة بالنسبة للمهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء بسبب الإطار القانوني التقييدي والممارسات التمييزية و غياب سياسات جدية للمتابعة و الادماج.
ولا توجد اتفاقيات لتسهيل الوصول إلى سوق العمل سوى مع بلدين فقط هما الجزائر والسنغال. أما بقية المهاجرين الأفارقة، فيُمنح المواطنون المغاربة الأفضلية عليهم وفق مبدأ تمييزي و عنصري مثل ما يسمى بـــ "الأولوية الوطنية"، إذ يتعين على صاحب العمل إثبات عدم وجود مرشحين مغاربة قبل توظيف مرشح أجنبي، و ذلك بغض النظر عن الكفاءات أو الأهلية المهنية و التقنية. ورغم وجود استثناءات لمن حصلوا على تصاريح إقامة خلال حملتي التسوية، فإن الاستفادة منها تبقى صعبة عملياً. كما أن الوصول إلى العدالة محدود، ما يدفع معظم المهاجرين إلى العمل في القطاع غير النظامي، حيث تسود الأجور المتدنية، وظروف العمل الخطرة، والاستغلال، خاصة في قطاع البناء والعمل المنزلي.vii ومع ذلك، تمكن بعض النساء من إفريقيا جنوب الصحراء من الحصول على وظائف مستقرة نسبياً، مثل العمل في مراكز الاتصال. وتشكل النساء نصف المهاجرين النظاميين من ذوي البشرة السوداء.
الصحة
يظل الوصول إلى و التوفر على الخدمات الصحية محدوداً بشدة بالنسبة لمعظم المهاجرين، لا سيما من يفتقرون إلى الموارد المالية أو الوثائق القانونية. وتعتمد الرعاية الطبية داخل المستشفيات بشكل أساسي على القطاع الخاص، ما يجعلها بعيدة المنال. وغالباً ما يضطر المهاجرون إلى إنفاق مدخراتهم كليا في الحالات الطارئة، فيما تغطي بعض المنظمات الإنسانية تكاليف العلاج وفق معايير أقل ما يمكن القول عنها انها هشة، دون أن يلبي ذلك طبيعة المتطلبات الخاصة بالمهاجرين او حجم الاحتياجات التي يواجهونها.viii ورغم أن إصلاح النظام الصحي الذي أُطلق عام 2021 قد ارتأى اتاحة التأمين الصحي لكل المواطنين المغاربة، إلا انه قد تم استبعاد المهاجرون غير النظاميين من هذا النظام.
السكن
يواجه المهاجرون الذين لا يتوفرون على وثائق رسمية صعوبات كبيرة في الحصول على السكن. ففي المدن الساحلية الكبرى على الأطلسي مثل الدار البيضاء وأكادير وآيت ملول وإنزكان، أو الرباط وسلا، يعيش العديد منهم في أحياء فقيرة يغلب عليها الطابع الهامشي و غير النظامي، وسط أوضاع اجتماعية و اقتصادية و صحية غير مستقرة. أما في مدن الحدود مثل الناظور و وجدة، فتتسم ظروف السكن بهشاشة شديدة، مع تهديد دائم بالترحيل عبر حملات المداهمة الأمنية المتكررة.
المداهمات والانتهاكات
في المدن الكبرى شمالاً وغرباً، كثيراً ما يُعتقل المهاجرون السود في الشوارع العامة و دون سبب وجيه. كما تُنفذ مداهمات مباغتة لمساكنهم المشتركة. ويتم نقل معظم المعتقلين إلى مناطق نائية جنوبا، خاصة نحو الحدود مع وجدة أو إلى مناطق صحراوية قاحلة. ويُعاد توقيف بعض المهاجرين وترحيلهم مراراً و تكرارا لمرات عدة؛ إذ أفاد شخصان من مالي بأنهما نُقلا اتجاه منطقة وجدة نحو 30 مرة خلال عشر سنوات، ورُحّلا عدة مرات إلى الجزائر، قبل أن يتمكنا في كل مرة من العودة إلى المغرب رغم المخاطر.
ويتعرض المهاجرون السود، خصوصاً من دول غرب ووسط وشمال شرق إفريقيا، لاعتداءات لفظية وجسدية و مضايقات عنصرية متكررة، تشمل الهجمات على المنازل والسرقة و الضرب. لكن الخطر الأكبر يتمثل في الاعتقال المستمر من طرف الشرطة، حتى بالنسبة لمن حصلوا على وضع لاجئ من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو لا تزال طلباتهم قيد الدراسة. ورغم أن التعليمات الرسمية تقضي باعتبار وثائق طلب اللجوء دليلاً على الإقامة القانونية، فإن عمليات الترحيل والاحتجاز تطال طالبي اللجوء بشكل متكرر.
وكان المغرب قد صادق على اتفاقية جنيف للاجئين عام 1956، ومنح المفوضية السامية صلاحية البت في طلبات اللجوء. وبموجب مرسوم 1957، يفترض أن يحصل المعترف بهم كلاجئين على تصاريح إقامة من لجنة حكومية مغربية مستقلة. ورغم الإعلان منذ عام 2013 عن إعداد قانون للهجرة واللجوء، لا يزال المغرب يفتقر إلى إطار قانوني وطني ينظم اللجوء أو هيئة رسمية مختصة بدراسة الطلبات.
5.2 - أشكال التنظيم الذاتي والمقاومة
المخيمات
تلعب الهياكل ذاتية التنظيم دوراً حاسماً في بقاء المهاجرين في مأمن من القمع و العنف و التهجير القسري. فقد نشأت و تطورت تجارب عدة لهذه التجمعات التنظيمية في نقاط و مدن و مناطق مختلفة من المغرب. فمنذ عام 2013 أقيم مخيم للمهاجرين قرب محطة القطار الرئيسية في فاس، كان يضم ما يصل إلى 6000 شخص، قبل أن تفككه قوات الأمن عام 2016. لاحقاً، أُنشئ مخيم في الدار البيضاء قرب محطة الحافلات في حي أولاد زيان، حيث اجتمع مهاجرون في ظروف صعبة للتعافي من تجارب فاشلة في محاولة عبور الحدود والترحيل القسري، رغم سوء الظروف الصحية والأمنية. وبعد تعرضه لحرائق متكررة، أُزيل المخيم نهائياً في 2024، وتحول الموقع إلى ورشة بناء. وتوجد مواقع أخرى تؤدي وظائف مشابهة، مثل أكادير وإنزكان وآيت ملول، وبني ملال، حيث تشكلت شبكات تضامن و رعاية جماعية تكافلية بين المجموعات المهاجرة. في هذه المخيمات، لا يقتصر التعبير السياسي على الاحتجاج وحسب، بل يشمل أيضاً الموسيقى والمسرح والفنون، كوسائل للحفاظ على الذاكرة والتعبير عن المقاومة. وتساهم هذه الممارسات في بناء هويات جماعية جديدة، رغم هشاشتها، وتعزيز الشعور بالانتماء، ولفت الانتباه إلى أوضاعهم كبشر ذوي أحلام و طافات. كما يطور بعضهم أشكالاً جديدة من التدين تمنحهم قوة نفسية في مواجهة الظروف الصعبة.
وقد وثّقت عدة كتب عن سير ذاتية لمسارات الهجرة عبر المغرب. فيروي مثلا إيمانويل مبوليلا، في كتابه “طريقي من الكونغو إلى أوروبا”، تجربته في الرباط وما رافقها من ظروف قاسية ومداهمات متكررة. كما يسرد فابيان ديدييه ييني في كتابه “حتى الحدود” محاولاته لعبور السياجات الحدودية في مليليه، وما تعرض له من اعتقال وترحيل وحتى التخلي عنه في الصحراء. أما المخيمات التي كانت قائمة في غابات جبل غوروغو قرب مليليه وغابة بليونيش قرب سبتة، فقد اختفت بعد أحداث 24 يونيو 2022 الدامية. وتوثق أعمال أدبية هذه التجارب، مسلطة الضوء على العنف البنيوي والإصرار على الهجرة رغم المخاطر، وما ينتج عنه من تحولات في الهويات والعلاقات الاجتماعية. ومنذ تلك الأحداث، ازدادت أهمية المسار الذي يمر عبر وجدة والجزائر وصولاً إلى تونس، رغم أنه أصبح أكثر صعوبة وكلفة، لا سيما مع تدهور الأوضاع في تونس منذ عام 2023، ما دفع بعض المهاجرين إلى العودة مجدداً إلى المغرب.
Einen ergreifenden Einblick in das Leben einiger junger Männer aus dem Sudan gibt der Film This Jungo Life (2024) von David Fedele and the Jungo of Rabat
المقاومة اليومية والاحتجاج
أظهرت دراسات ميدانية أن المهاجرين من غرب ووسط إفريقيا يطورون أشكالاً متنوعة من المقاومة الفردية والجماعية لمواجهة التهميش والعنف البنيوي. ويعيش معظمهم في أحياء فقيرة داخل المدن الكبرى، حيث يتسم حياتهم اليومية بالتضامن الداخلي، إلى جانب الهشاشة الاجتماعية واستمرار أنماط من العنصرية المتجذرةix. وتعد المظاهرات وسيلة رئيسية للاحتجاج، إذ ينظم المهاجرون تحركات سلمية للمطالبة بحقوقهم. ومن الأمثلة على ذلك الحركة التي نشأت عام 2012 في حي التقدم بالرباط، وأسفرت عن تأسيس تنظيمات ذاتية مثل “ALECMA”. كما تُستخدم الإضرابات عن الطعام للفت الانتباه إلى أوضاعهم والضغط على السلطات. وفي بعض الحالات، شهدت الاحتجاجات أعمال عنف مادي تعكس ما يتعرض له المهاجرون من عنف رسمي. وغالباً ما ترتبط هذه التحركات بحركات عالمية مثل “حياة السود مهمة”، بهدف كسب التضامن الدولي.
وتقدم ملاحظات ميدانية من حي دوار الدوم في الرباط مثالاً واضحاً على واقع المهاجرين، حيث يعيش كثير منهم في ظروف تفتقر إلى الخدمات الأساسية، لكنهم طوروا شبكات تضامن وممارسات جماعية، بما في ذلك التجمعات الدينية، التي توفر دعماً نفسياً واجتماعياً. ومن أبرز لحظات الاحتجاج الجماعي تلك التي أعقبت وفاة السنغالي إسماعيلا فاي في طنجة عام 2013 نتيجة عنف الشرطة. فقد حمل المحتجون جثمانه في الشوارع احتجاجاً على ظروف وفاته، مطالبين بالعدالة، في قضية أثارت اهتماماً دولياً ودعوات لمحاسبة المسؤولين.
6 - سياسة الهجرة في المغرب
تُعدّ سياسة الهجرة في المغرب مزيجاً معقداً من ترتيبات وآليات متعددة، تُدار تحت شعار السيادة الوطنية. ومنذ سنة 2013، تبنّى المغرب مقاربة جديدة تمثّلت فيما سمي عليه بــ "الاستراتيجية الجديدة للهجرة واللجوء" (NSIA)، ومن أبرز معالم هذه الاستراتيجية حملتين لتسوية الأوضاع في عامي 2014 و2017، واللتان شملتا فعلياً نحو 50 ألف شخص، غالبيتهم من المهاجرين دول جنوب الصحراء، إضافة إلى جنسيات أخرى مثل الفلبينيات العاملات في القطاع المنزلي داخل المدن الكبرى. غير أن من دخلوا البلاد لاحقاً لم يستفيدوا من هذه الإجراءات، كما لا يزال المغرب يفتقر حتى اليوم إلى نظام لجوء ممؤسس و فعّال، كما سبق توضيحه. ومنذ عام 1999، حين أطلق الاتحاد الأوروبي أول "خطة عمل" تهم المغرب، باتت سياسة الهجرة مرتبطة بشكل وثيق بالأهداف الخارجية. فعلى الصعيد الشمالي، نجح المغرب في توظيف المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، وكذلك ملف "الحراكة" من مواطنيه المغاربة، كورقة تفاوض مع الاتحاد الأوروبي، سعياً إلى الاعتراف السياسي والحصول على الدعم المالي، مع إبقاء ملف الصحراء الغربية حاضراً في خلفية هذه المفاوضات.
وفي يونيو 2013، أصبح المغرب أول دولة متوسطية توقّع "شراكة لوجيستيكية" مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما ساهم في إطلاق إصلاحات تشريعية في مجال الهجرة بعد ثلاثة أشهر فقط. وابتداءً من عام 2014، خصّص الاتحاد الأوروبي نحو 232 مليون يورو لدعم هذه السياسة، بما في ذلك إدارة الحدود وملف الهجرة. ومع ذلك، لم يكن العامل المالي وحده هو الحاسم بالنسبة للمغرب، إذ لعبت الاعتبارات الرمزية والسياسية دوراً مركزياً. وقد أعاقت قضية الصحراء الغربية التعاون مع الاتحاد الأوروبي حتى عام 2019. ومع استئناف التعاون في ذلك العام، بدأ المغرب في تشديد الرقابة على طرق الهجرة نحو الشمال، عبر تكثيف المداهمات وعمليات الترحيل، وتعزيز قدرات خفر السواحل و الحراسة الحدودية. كما عزز انضمام المغرب إلى "اتفاقيات أبراهام" التطبيعية موقعه ضمن التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، حيث جرى الاعتراف بضم الصحراء الغربية من طرف إسرائيل و الرئيس الأمريكي ترمب. وفي عام 2022، تبنّت إسبانيا موقفاً مماثلاً، في خطوة اعتُبرت مكافأة سياسية انتهت عملياً بإغلاق مسارات و نقاط العبور الجماعي نحو سبتة ومليليه، لا سيما بعد أحداث مليليه الدامية. وفي مرحلة لاحقة، أكدت فرنسا بدورها دعمها لدور المغرب في هذا الملف، مقابل اتفاقيات اقتصادية وترتيبات لإعادة المهاجرين المغاربة.
أما إذا التفتنا جنوبا جهة الاتحاد الإفريقي، فقد عانى المغرب من عزلة طويلة بسبب قضية الصحراء الغربية، قبل أن يعود إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017. وقد سعى إلى تعزيز حضوره في إفريقيا، خاصة في غرب القارة، عبر استثمارات في قطاعات البنوك والاتصالات والفوسفات والبناء والطيران، حيث تحولت الدار البيضاء إلى مركز إقليمي للربط الجوي بين إفريقيا وأوروبا. كما يعمل المغرب على تعزيز موقعه في مجالات مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات، عبر شراكات عسكرية مع الولايات المتحدة ودول إفريقية. ومع تأسيس تحالف دول الساحل (AES)، سعى المغرب إلى توسيع نفوذه الإقليمي، مقدماً عروض تعاون تشمل تطوير البنية التحتية، خصوصاً ميناء الداخلة. وتعكس العلاقات الوثيقة للمغرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل تقاطعاً في المصالح الاستراتيجية، سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي. غير أن هذه التوجهات الخارجية تظل محكومة بتوازنات داخلية دقيقة، في ظل تعاطف شعبي مغربي داخلي واسع مع القضية الفلسطينية. وقد شهدت مدن مغربية عديدة في السنوات السابقة احتجاجات واسعة ضد حرب الإبادة في غزة والدور الأمريكي و الأوربي في التطهير العرقي لشعب الفلسطيني في الضفة الغربية و القدس الشرقية، في تعبير صريح و مباشر عن رفض سياسات الدولة.
7 - سياسة تصدير الحدود الأوروبية أو "الأخرجة"
بفعل موقعه الجغرافي، يُعد المغرب منذ أوائل التسعينيات محوراً أساسياً في سياسات الاتحاد الأوروبي الرامية إلى تصدير ضبط الحدود أو سياسات "الأخرجة" Externalization. ومن أبرز المحطات في هذا المسار يمكن ذكر التالي: إغلاق الحدود الجنوبية للاتحاد عام 1992، ما جعل مضيق جبل طارق طريقاً شديد الخطورة؛ وأحداث 2005 في سبتة ومليليه؛ واتفاق الشراكة في التنقل عام 2013؛ ثم تكثيف دعم الاتحاد الأوروبي لإدارة الحدود منذ 2018؛ أحداث يونيو 2022 الدامية عند حدود مليليه، وأخيراً أحدث أزمة سبته و مليليه سنة 2026 في شهر يوليوز. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى المغرب بوصفه مجرد طرف متلقٍ للسياسات الأوروبية، بل فاعلاً يسعى لتحقيق مصالحه الخاصة، سواء على صعيد تعزيز موقعه الإقليمي جيوسياسيا أو في ما يتعلق بقضية الصحراء الغربية والمكاسب الاقتصادية وتحويلات المهاجرين.
7.1 - الهجرة إلى أوروبا
خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أُبرمت اتفاقيات ثنائية لاستقدام العمال بين المغرب وعدة دول أوروبية. ومنذ التسعينيات، أصبح المغاربة يشكلون واحدة من أكبر الجاليات المهاجرة في الاتحاد الأوروبي، حيث يعيش ما بين 5 و 6 ملايين مغربي في الخارج، 84% منهم داخل أوروبا. بعد وقف استقدام العمال عام 1973، أصبحت الهجرة تمر عبر قنوات محدودة مثل لمّ الشمل الأسري أو الهجرة غير النظامية. وفي عام 1990، فرضت إسبانيا تأشيرة دخول على المغاربة، ما أدى إلى تصاعد الهجرة عبر البحر. وفي صيف 1992، عبر نحو 30 ألف شخص مضيق جبل طارق، الذي تحول لاحقاً إلى أحد أخطر مسارات الهجرة في أوروبا، حيث لقي آلاف الأشخاص حتفهم خلال التسعينيات. كما شكّلت سبتة ومليليه مساراً آخر، مع بناء الأسوار منذ 1994، والتي جرى اقتحامها جماعياً عام 2005، في أحداث دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تشديد سياساته. وبلغت هذه المواجهات ذروتها في أحداث مليليه عام 2022 و احداث سبتة 2026، التي أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والمفقودين. بعد عام 2011، تحوّلت طرق الهجرة نحو ليبيا، قبل أن تعود إلى المغرب ابتداءً من 2016. وفي عام 2018، وصل أكثر من 64 ألف مهاجر إلى إسبانيا، ربعهم مغاربة. ومع ذلك، لا يتقدم معظم الوافدين بطلبات لجوء، بل يختفون داخل أوروبا. وتلعب الشبكات العائلية دوراً مهماً في تسهيل الهجرة، سواء عبر تمويل الرحلات أو عبر الزواج ولمّ الشمل. كما شجّعت الدولة المغربية الهجرة تاريخياً، نظراً لأهمية التحويلات المالية كمصدر للعملة الصعبة.x
منذ 2018، عاد المغرب إلى صدارة سياسات الردع الأوروبية. فقد انسحبت فرق الإنقاذ الإسبانية جزئياً، وتم تحويل 170 مليون يورو إلى المغرب لتعزيز قدراته في البحث والإنقاذ و الصد و الترحيل، مع تقييد عمليات الإنقاذ الأوروبية في مياهه. كما أطلق المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة (ICMPD) برامج لإدارة الحدود، شملت تزويد المغرب بمعدات مراقبة. ونتيجة لذلك، تحولت مسارات الهجرة نحو الطريق الأطلسي باتجاه جزر الكناري، حيث تُسجّل حالياً غالبية الوافدين إلى إسبانيا. وقد أدى تراجع عمليات الإنقاذ إلى ارتفاع كبير في عدد الوفيات، حيث قُدّر عدد الضحايا في هذا المسار بنحو 9,757 شخصاً عام 2024.xi
7.2 - المرحلة الدبلوماسية (1993–2011)
منذ سبعينيات القرن الماضي، سعت الدول الأوروبية إلى بناء منظومة مشتركة للرقابة الأمنية، تعززت مع اتفاقية شنغن عام 1985. وبعد تأسيس الاتحاد الأوروبي عام 1992، تبلور توجه استراتيجي يقوم على الانفتاح شرقاً والتشدد جنوباً. وفي هذا الإطار، أبرمت إسبانيا عام 1993 اتفاقاً مع المغرب لإعادة المهاجرين، شمل أيضاً رعايا دول ثالثة، تبعته اتفاقيات أخرى. ومع ذلك، تجنّب المغرب توقيع اتفاق شامل بهذا الخصوص، لتفادي توتر علاقاته مع دول إفريقيا جنوب الصحراء. وشهدت المرحلة التالية محطات رئيسية، منها الشراكة الأورو-متوسطية عام 1995، وقمة تامبيري عام 1999، التي أرست أسس سياسة أوروبية مشتركة للهجرة. كما أطلقت مبادرات مثل “المقاربة العالمية للهجرة” (GAM/GAMM) و”عملية الرباط”، التي لعب فيها ICMPD دوراً محورياً في التنسيق وتقديم الدعم التقني.xii
وفي هذا السياق، طُبّقت سياسات شملت تجريم الهجرة غير النظامية، وتعزيز الرقابة الحدودية، وتنفيذ برامج “العودة الطوعية” بإشراف المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، التي وجدت في المغرب ساحة لتوسيع أنشطتها، وسط انتقادات تتعلق بالغموض وغياب الشفافية في عملها داخل المنطقة.xiii
7.3 - الأخرجة 2011 – 2017: تداعيات الثورات العربية
أبطأت احداث الثورات العربية استراتيجية الاتحاد الأوروبي في منطقة المتوسط. فسقوط الديكتاتور بن علي في تونس، الذي كان قد جرّم مغادرة البلاد، فتح الطريق نحو لامبيدوزا، بينما أدى سقوط القذافي في ليبيا إلى فتح طريق وسط المتوسط. لكن الأهم من ذلك أن حرب النظام السوري بقيادة بشار الأسد ضد شعبه أنتجت موجات لجوء مستمرة لا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم.xiv
أما النظام الملكي في المغرب فقد تجاوز مرحلة الثورات بأضرار محدودة نسبياً (انظر الفصل 3)، ولم يكن تحت ضغط شعبي بالحدة ذاتها التي شهدتها الحكومة التونسية مثلاً. وكانت المغرب أول دولة في حوض المتوسط توقّع، في يونيو/حزيران 2013، "شراكة للتنقل" مع الاتحاد الأوروبي. وجاء في البيان المرافق لتلك الاتفاقية: "فيما يتعلق بالهجرة غير الشرعية، سيتعاون الاتحاد الأوروبي والمغرب من أجل التصدي بشكل أفضل لشبكات التهريب والاتجار بالبشر ومساعدة ضحاياها. كما سيعملان بشكل وثيق على مساعدة المغرب في إنشاء نظام وطني للجوء والحماية الدولية". وبالفعل، أعلن الملك بعد ثلاثة أشهر عن إصلاح قوانين الهجرة، وخصّص الاتحاد الأوروبي اعتباراً من عام 2014 مبلغ 232 مليون يورو لدعم السياسة الجديدة للهجرة، بما في ذلك إدارة الهجرة والحدود، علماً بأن ما كان يهم المغرب لم يكن بالضبط التمويل الأوروبي بقدر ما كان اكتساب مكانة الوسيط الأوروبي-الأفريقي.
وحلّت محل برامج الاتحاد الأوروبي الأولى لتمويل مكافحة الهجرة، التي أُطلقت في أعقاب عملية تامبيرtampere ،xv أداةُ الجوار الأوروبي بين عامي 2014 و2017، والتي خُصص من خلالها للمغرب أكثر من 800 مليون يورو، معظمها في شكل دعم للموازنة العامة. وفي عام 2016 أُنشئ أيضاً الصندوق الاستئماني الطارئ للاتحاد الأوروبي من أجل أفريقيا (EUTF for Africa)، الذي رُصدت من خلاله، رداً على موجات الهجرة الكبيرة ابتداءً من عام 2015، أموال إضافية وواسعة النطاق لمواجهتها. لم يكن المغرب في تلك المرحلة في بؤرة اهتمام الاتحاد الأوروبي.xvi لكن الوضع تغيّر بعد فترة قصيرة، حين أدت انتفاضة الريف عام 2016 إلى ارتفاع جديد في أعداد المغادرين نحو إسبانيا. غير أن العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي كانت قد تدهورت في تلك الأثناء بسبب ملف الصحراء الغربية.
7.4 - الأخرجة منذ 2018: سياسات التسلح و القمع و مجزرة مليليه
في ظل العدد الكبير من قوارب الهجرة والعبور الجماعي لسياج الحدود في سبتة عام 2018، تعمّد الاتحاد الأوروبي تجنّب اتخاذ موقف واضح من قضية الصحراء الغربية، إذ كان يعتمد في ضبط حركات الهجرة على التعاون مع المغرب. وفي هذا السياق، استجاب الاتحاد الأوروبي أيضاً لمطالب المغرب بالحصول على معدات تقنية و عسكرية. واستُؤنف الحوار بين الاتحاد الأوروبي والمغرب في عام 2019. وكتب المجلس الأوروبي بأثر رجعي، في تقريره "تحديث حول مستجدات الملف" الصادر في يوليو/تموز 2023: "بعد سنوات عدة من الجمود (في إطار التجميد العام للعلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب)، استُؤنف الحوار رسمياً في عام 2019 (مجلس الشراكة في 27 يونيو/حزيران 2019). ويقرّ المغرب بأن الهجرة والأمن مجالان محوريان للتعاون مع الاتحاد الأوروبي. وقد بذل المغرب جهوداً كبيرة للحد بشكل ملحوظ من تدفق المهاجرين غير النظاميين العابرين للمتوسط نحو الاتحاد الأوروبي. غير أن عدد الوافدين غير النظاميين من المغاربة ومن المغرب لا يزال مرتفعاً، لا سيما على طريق جزر الكناري". وفي أغسطس/آب 2019، أجرى خالد الزروالي، مدير الهجرة ومراقبة الحدود في وزارة الداخلية، حديثاً لصحيفة "ديّاريو" (Diario)، أعطى فيه تصريحات اعتبرت كمؤشر على الانفراج الدبلوماسي بين المغرب والاتحاد الأوروبي في صيف ذلك العام. وشدّد على أن المغرب نجح منذ أكثر من 15 عاماً في كبح الهجرة غير النظامية نحو إسبانيا، مؤكداً أن نسبة 93% من محاولات العبور جرى إحباطها بين عامي 2014 و2015. غير أن الضغط الدبلوماسي بسبب تعقد ملف الهجرة ازداد بشكل ملحوظ في عام 2018، إذ منع المغرب عشرات الآلاف من محاولات المغادرة وفكّك العديد من شبكات التهريب.xvii
ودُعم هذا الحوار بشحنات أسلحة واسعة النطاق. وجاء في تقرير صدر في ديسمبر/كانون الأول 2019 أن المغرب: "يشهد في الأشهر الأخيرة تسليحاً متسارعاً من جانب الاتحاد الأوروبي لأغراض مراقبة الحدود. إذ يتلقى المغرب حالياً من الاتحاد الأوروبي أكثر من 1300 مركبة، معظمها سيارات دفع رباعي وعربات لنقل المعتقلين ودراجات نارية وسيارات إسعاف وشاحنات تبريد، إضافة إلى 1400 حاسوب وجهاز لوحي، ومعدات واسعة للاتصالات والرادار والمراقبة والمسح الضوئي، فضلاً عن طائرات مسيّرة. وقد انتقد ديوان المحاسبين الأوروبي مؤخراً كون المغرب "برميلاً بلا قاع" في تلقي الأموال والمعدات، إذ لا توجد أي آلية للمساءلة أو الرقابة على أوجه الإنفاق والمشتريات والاستخدام". وتفيد المفوضية الأوروبية بأنها دفعت للمغرب، بين عامي 2014 و2022، أكثر من 2.1 مليار يورو: منها 1.5 مليار يورو في شكل اتفاقيات ثنائية وفي إطار الصندوق الاستئماني الطارئ (EUTF)، إضافة إلى 631 مليون يورو أخرى في إطار أداة الجوار والتعاون الإنمائي والدولي (NDICI)، التي حلّت محل الصندوق الاستئماني منذ عام 2021. ويزيد تشابك البرامج الأوروبية، والربط بين البرامج الأوروبية والثنائية، وتنفيذ صناديق خاصة عبر منظمات دولية ومنظمات غير حكومية، من صعوبة تكوين صورة دقيقة عن هذا التمويل. وتقدّم القائمة الواردة في الملحق 1 من "مسودة خطة العمل الخاصة بالمغرب" المؤرخة 18 أبريل/نيسان 2022، والتي نشرها موقع Statewatch، بعض المؤشرات في هذا الصدد.
وحتى عام 2021، كان الصندوق الاستئماني الطارئ (EUTF) الأداة الأهم لدى الاتحاد الأوروبي في "دعم المغرب في مجال الهجرة". وقد خُصص لهذا المجال، عبر اتفاقيات إقليمية وثنائية، مبلغ 234 مليون يورو، ذهب منها 77%، أي 178 مليون يورو، إلى مجال إدارة الحدود الأمنية ومكافحة التهريب والاتجار بالبشر. ويستمر تنفيذ مشاريع الصندوق حتى ديسمبر/كانون الأول 2025. وفي إطار أداة NDICI، خُصص في عام 2022 مبلغ إضافي قدره 150 مليون يورو على مدى أربع سنوات بهدف تعزيز "التعاون بين الاتحاد الأوروبي والمغرب" و ما أطلق عليه بـــ "الحوار حول الهجرة". وفي يونيو/حزيران 2023، اعتُمدت أخيراً "حزمة هجرة الجوار الجنوبي" بقيمة 279 مليون يورو، خُصصت لمكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتعزيز إدارة الحدود، ودعم برامج العودة الطوعية.
وخلف الشعارات الأوروبية، التي تُبرز دوماً و بشكل ديماغوجي البعد الإنساني ومكافحة التهريب، تختبئ وقائع أشد قسوة: تسليح أجهزة الأمن الحدودي، ومطاردة "قوارب البشر"، والمداهمات التي تستهدف المهاجرين الأفارقة السود في شمال المغرب.
وقد تحوّلت السياسة المتّبعة عند حدود الجيبين الإسبانيين سبتة و مليليه، كما سبق وصفه في القسم 4.2.2، إلى رمز لعنف السياسة الأوروبية تجاه المغرب. فمنذ مارس/آذار 2020 يُبقي المغرب معبر الحدود البرية إلى سبتة ومليليه مغلقاً. وبررت السلطات المغربية هذا الإغلاق في البداية بكونه إجراءً لاحتواء جائحة كورونا، إلا أنها ماطلت لاحقاً في إعادة فتحه بهدف ممارسة ضغط على إسبانيا في ملف الصحراء الغربية، غير آبهة بتبعات ذلك على تفريق عدد كبير من العائلات ووقف التجارة الصغيرة المربحة للجانبين.
في 17 مايو/أيار 2021 كما في يوليو 2026 خفّفت قوات الأمن المغربية مؤقتاً الرقابة عند الحدود مع سبتة، فسمحت لنحو 6000 شخص بالعبور سباحةً وعلى متن قوارب مطاطية إلى الجيب الإسباني. وفي مطلع مارس/آذار 2022، تمكّن 850 شخصاً من تجاوز السياج في مليليه. واستوعبت حكومة سانشيز الرسالة، وبدأت في إعادة النظر في موقفها من نزاع الصحراء الغربية. وفي المقابل، قبل المغرب رحلات الترحيل القادمة من إسبانيا. وفي أبريل/نيسان 2022، زار بيدرو سانشيز الرباط وأكّد رسمياً تغيّر الموقف الإسباني.
وفي 24 يونيو/حزيران 2022، "شكرت" قوات الأمن المغربية إسبانيا بتدبير مجزرة مليليه. وأعقب ذلك مساعٍ دبلوماسية متعددة لتوظيف ما جرى لصالح كل طرف. ففيما تحدث بيدرو سانشيز عن "اعتداء على السلامة الإقليمية لإسبانيا" وحاول إشراك حلف الناتو في التعامل مع ملف سبتة ومليليه، وجّهت الحكومة المغربية اتهاماتها إلى الجزائر. إذ زعم بيان صادر عن السفارة المغربية أن "المهاجمين" دخلوا إلى المغرب عبر الحدود الجزائرية، وأنهم استغلوا "التراخي المتعمد" من الجزائر في ضبط حدودها مع المغرب. وأشار البيان إلى أن اندفاع نحو 2000 مهاجر نحو الحدود "يعكس درجة عالية من التنظيم، وتخطيطاً مسبقاً، وبنية هرمية لقيادات مدرَّبة ومحنّكة في مناطق النزاع". والرسالة كانت واضحة: المهاجرون السود يهاجمون الناتو وهم أعداء يتوجّب على المغرب والاتحاد الأوروبي التحالف لمواجهتهم معاً.
لكن حتى بعد المجزرة التي حدثت في مليليه عام 2022، لم تُغلق طرق الهجرة القادمة من المغرب بالكامل. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2023، كتبت قناة الجزيرة الإنجليزية أن لاجئين يائسين ما زالوا يعبرون المغرب برّاً وبحراً في طريقهم إلى أوروبا. ويزعم المغرب أنه أوقف في عام 2024 أكثر من 78 ألف مهاجر في طريقهم إلى أوروبا، منهم 58% من غرب أفريقيا و12% من شمال إفريقيا.xviii ويتعلق هذا في المقام الأول بطريق الأطلسي، حيث وصف بيدرو سانشيز التعاون مع المغرب بأنه "نموذجي إلى حد بعيد". كما جرى انتشال أو إنقاذ أكثر من 18 ألف شخص من قواربهم و من حالات الغرق. وفي حين تخلّت مجموعات المهاجرين السود عن محاولة اقتحام أسيجة الجيبين، لا يزال الشبان المغاربة والجزائريون يحاولون ذلك.
الحواشي السفلية
i- يشمل الإرث الاستعماري تفاوتاتٍ جهوية تتمثل في تهميش المناطق الطرفية (خاصة منطقتي الريف والأطلس)، وجهازاً إدارياً منفصلاً عن الواقع، والبنية السلطوية للدولة، والنخب الناطقة بالفرنسية، وبنية اقتصادية موجَّهة أساساً نحو الاستخراج.
ii - تسيطر المغرب على 80٪ من أراضي الصحراء الغربية، بما في ذلك كامل ساحلها الغني بمصائد الأسماك، وترسّبات الفوسفات القيّمة.
iii - في عام 1991، اتفق المغرب وجبهة البوليساريو (حركة تحرر تسعى إلى تقرير مصير الصحراء الغربية) على وقف لإطلاق النار برعاية الأمم المتحدة تمهيداً لإجراء استفتاء على تقرير المصير. وحتى الآن، لم يُجرَ هذا الاستفتاء. ويرفض المغرب من حيث المبدأ أي تصويت على تقرير المصير يشمل خيار استقلال الصحراء الغربية عنه. وفي ديسمبر/كانون الأول 2020، رفض الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب مسار تقرير المصير الذي كانت ترعاه الأمم المتحدة لصالح الصحراويين، وذلك عبر اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. ومنذ ذلك الحين، يمارس المغرب ضغوطاً على حلفائه الغربيين، ومن بينهم إسبانيا وفرنسا، لحذو حذوه، وقد حقق في مسعاه هذا نجاحاً متزايداً.
iv - de Haas, Hein: Morocco: Setting the Stage for Becoming a Migration Transition Country?, Washington DC, Migration Policy Institute 2014; see also the series of articles by Hein de Haas on BpB (2009)
v - https://ffm-online.org/wp-content/uploads/2018/11/Ausgelagert.pdf p.35
vi - Fuchs, Eva (2014): Haraga and "economic martyrs" in transnational Moroccan society, Ethnoscripts 16 (2): p. 107; https://www.ssoar.info/ssoar/bitstream/handle/document/61345/ssoar-ethnoscripts-2014-2-fuchs-Haraga_und_Wirtschaftsmartyrer_in_der.pdf;
vii - See the reports by Marie Pascale Rouff in Archipel 328 (September 2023) and Archipel 339 (September 2024)
viii - In April 2024, UNHCR published a brochure Mapping Protection Services, a route-based approach, with regional addresses where migrants can seek help.
ix - Schwarze, Christoph (2022): Not just a colonial legacy. Racism against Blacks in Morocco,in: IZ3W 388, P. 38
x - Brouksy, Omar, Emigration in Morocco: Between longing and resignation, in: Stauffer, Beat (2019): Maghreb, Migration and the Mediterranean, Zurich 2019, pp. 103-5
xi - Fuchs, Eva (2014): Haraga and "economic martyrs" in transnational Moroccan society, Ethnoscripts 16 (2): p. 107;
xii- يكتب المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة (ICMPD) عن برنامج إدارة الحدود لمنطقة المغرب العربي: "في المغرب، تهدف الإجراءات المتخذة في إطار هذا المكوّن إلى تعزيز قدرات الأجهزة الرئيسية المعنية بإدارة الحدود، من خلال توفير معدات تقنية في المجالات التالية: مراقبة الحدود، وفحص الوثائق، وتعزيز القدرات الأمنية وقدرات النقل والتنقّل".
xiii - See: Pittà, Salvatore and Anja Zickuhr, Marokko: Transit NON Stop, Berlin 2002, p. 39 ff (FFM Heft 9), https://ffm-online.org/wp-content/uploads/2018/12/Marokko-Transit-NON-Stop.pdf
xiv - Norman, Kelsey P. (2020): Migration Diplomacy and Policy Liberalization in Morocco and Turkey, International Migration Review 54, 1158 - 1183, p. 1164
xv - يشير مصطلح تامبيري إلى قمة الاتحاد الأوروبي التي عُقدت عام 1999، واعتمد فيها رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي، للمرة الأولى، مبادئ توجيهية لسياسة أوروبية مشتركة بشأن اللجوء والهجرة.
xvi - Bartels, Inken (2021): The International Organisation for Migration in North Africa. Making International Migration Management, London and New York (Routledge), p.63. See also https://migration-control.info/en/blog/die-iom-in-nordafrika/
xvii - See: Norman (2020, see FN 18) p. 11667
xviii - بلغت الأرقام لعام 2023 نحو 87 ألفًا، مقابل 56 ألفًا لعام 2022. انظر: DTNext، 20.01.2024.
Footnotes
-
يشمل الإرث الاستعماري تفاوتاتٍ جهوية تتمثل في تهميش المناطق الطرفية (خاصة منطقتي الريف والأطلس)، وجهازاً إدارياً منفصلاً عن الواقع، والبنية السلطوية للدولة، والنخب الناطقة بالفرنسية، وبنية اقتصادية موجَّهة أساساً نحو الاستخراج.
↩ -
تسيطر المغرب على 80٪ من أراضي الصحراء الغربية، بما في ذلك كامل ساحلها الغني بمصائد الأسماك، وترسّبات الفوسفات القيّمة.
↩